ابن قتيبة الدينوري
25
عيون الأخبار
باب السّعاية روى وكيع عن أبيه عن عطاء بن السائب قال : قدمت من مكة فلقيني الشعبيّ فقال : يا أبا زيد أطرفنا مما سمعت ؛ قلت : سمعت عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن سابط يقول : لا يسكن مكَّة سافك دم ، ولا آكل ربا ، ولا مشّاء ( 1 ) بنميم ؛ فعجبت منه حين عدل النميمة بسفك الدماء وأكل الرّبا ، فقال الشعبيّ : وما يعجبك من هذا ؟ وهل تسفك الدّماء وتركب العظائم إلا بالنميمة ؟ عاتب مصعب بن الزبير الأحنف بن قيس على شيء بلغه عنه ، فاعتذر إليه الأحنف من ذلك ودفعه ؛ فقال مصعب : أخبرني بذلك الثّقة ؛ فقال الأحنف : كلَّا أيها الأمير ، إن الثقة لا يبلَّغ . قال الأعشى : [ طويل ] ومن يطع الواشين لا يتركوا له * صديقا وإن كان الحبيب المقرّبا وذكر السّعاة عند المأمون فقال رجل ممن حضر ؛ يا أمير المؤمنين ، لو لم يكن من عيبهم إلَّا أنّهم أصدق ما يكونون ، أبغض ما يكونون إلى اللَّه لكفاهم . سعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل ؛ فقال له : انصرف حتى أسأل عمّا ذكرت ، وبعث في المسألة عن السّاعي فإذا هو لغير أبيه الذي يدعى له ، فقال بلال : أخبرنا أبو عمرو قال : حدّثني أبي قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « السّاعي بالناس لغير رشدة » ( 2 ) . وقال الشاعر : [ وافر ] إذا الواشي نعى يوما صديقا * فلا تدع الصّديق لقول واشي ( 3 )
--> ( 1 ) مشّاء بنميم : الذي يمشي بالنميمة ليفسد ما بين الأصدقاء من صلات . وهذا من قول اللَّه تعالى : ولا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ سورة القلم 68 ، الآيتان 10 و 11 . ( 2 ) قال ابن منظور في لسان العرب مادة ( رشد ) ما نصّه : في الحديث : من ادّعى ولدا لغير رشدة فلا يرث ولا يورث . يقال : هذا ولد رشدة إذا كان لنكاح صحيح ، أي لزواج صحيح . ( 3 ) ورد هذا البيت في العقد الفريد ( ج 2 ص 333 ) ونعى : أي نعى الصداقة التي بينك وبينه .